الأربعاء، مايو 28، 2008

مفهوم المنهاج التربوي



ورقة بحثية بعنوان ...
مفهوم المنهاج التربوي

إعداد وتقديم المشرف التربوي
هاني محمد محي الدين شريعة

المقدمة :

إن المنهاج التربوي له مفهومان : مفهوم قديم ومفهوم حديث ، وسوف أتناول في هذه الورقة البحثية مفهوم المنهاج التقليدي ( القديم ) والمنهاج الحديث . بعد ذلك سوف أنتقل إلى الحديث عن المنهاج كنظام ومفهوم ذلك . وبعد ذلك أتحدث عن المنهاج الخفي ، وسأتناول حسناته وسيئاته .. وأصل قبل الخاتمة لأتحدث عن موقف المنهاج ( القديم والحديث ) من المادة الدراسية ، المعلم ، والمتعلم ، الحياة المدرسية والبيئة الاجتماعية . وبعد الخاتمة سوف أضع فهرساً للمراجع . راجياً أن ينال إعجابكم .


هاني شريعةمفهوم المنهاج التربوي

أولاً : مفهوم المنهاج التقليدي والحديث .
المنهاج من أهم موضوعات التربية بل هو أهمها ، وهو الوسيلة لتحقيق الأهداف التربوية . وهو كذلك الطريق الأمثل لبناء الأجيال القادمة التي سوف تصنع مستقبل الوطن ، والمنهاج ينقلنا من عالم الخوف وعدم الاستقرار إلى عالم يسوده الطمأنينة والسلام .

1ـ مفهوم المنهاج قديماً :
كانت وظيفة المدرسة هي نقل التراث الثقافي ، الذي كانت تعتبره أثمن ما توصل إليه الإنسان ، ومن واجب المدرسة إيصال ذلك إلى عقول التلاميذ ، حتى يتسنى لهم استيعاب كم هائل من المعلومات ، ثم يتقدمون للامتحان ؛ أي أن الكتاب هو المصدر الرئيسي الذي يتلقى منه التلاميذ علومهم .
وبشكل عام ؛ فلقد ركّز المنهاج التقليدي على المادة الدراسية المتضمنة موضوعات متنوعة تعكس تراكم المعرفة وزخمها . حيث ركّز المنهاج على إكساب التلاميذ المعلومات الجافة وتحفيظها لهم لغاية الامتحان وليس لغاية الاستفادة منها في الحياة العملية الحياتية . وبذلك يكون المنهاج القديم قد اعتمد طريقة واحدة وهي ؛ حشو رؤوس وعقول التلاميذ بمحتويات المقررات الدراسية كهدف أسمى للتربية .
فالمادة الدراسية في المنهاج القديم ، عبارة عن موضوعات موزعة على الصفوف المختلفة .. فالمنهاج التقليدي كان عبارة عن مجموعة من المواد الدراسية أو المقررات يدرسها التلاميذ . وللأسف ، فما زال هذا المفهوم سارياً بالنسبة لمجموعة كبيرة من المعلمين، لأنهم يركزون على مدى نجاح التلاميذ في استظهار المعلومات . ومن مساوئ هذا المنهاج ما يلي :
‌أ- الاهتمام بالناحية العقلية وإهمال النواحي النفسية والجسمية والاجتماعية .
‌ب- هدف التلميذ هو النجاح فقط ، دون الاستفادة من المادة الدراسية في الحياة العلمية .
‌ج- محتوى المنهاج ، عبارة عن مواد لا رابط بينها .
2ـ مفهوم المنهاج حديثا :
يركّز ويهتم المنهاج الحديث بالمتعلم وحاجاته ، دون إهمال المادة الدراسية ومتطلباتها ، ويعتمد المنهاج الحديث عملية تنظيم المحتوى والعمل على تعديله أو تطويره بناءً على المستجدات . ويهدف كذلك المنهاج الحديث إلى إكساب التلميذ مهارات عدة ( التعلم، التفكير، والمهارات العملية ) . فالمنهاج القديم لم يعد يفي بمطالب التربية الحديثة ، وذلك للتسارع في اتساعها . فالحياة بكل أبعادها أصبحت من الأهداف التي يعمل المنهاج الحديث على تحقيقها . فالمدرسة جزء من المجتمع ، تنفعل بما يحدث فيه .
إذن لم يعد التلميذ "عقلاً محمولاً على جسم" لذلك اهتم المنهاج الحديث بالتلميذ ككل ؛ أي الاهتمام بجوانب النمو العقلية والجسمية والاجتماعية والنفسية . والمادة لم تعد هدفاً في حد ذاتها بل وسيلة تساعد على تحقيق نمو التلميذ .
وعليه فإن المنهاج الحديث هو : القالب التربوي الذي يوفر فرص نمو المتعلم ، من خلال الحصول على المعلومات المنظمة ، واكتساب المهارات والاتجاهات اللازمة للنمو الكامل للمتعلم (النمو المتوازن) . إذن فالمنهاج ؛ يجب أن يقوم على أسس اجتماعية وسيكولوجية وفلسفية .

ثانياً : المنهاج كنظام :
إن استخدام النظم في مجال التربية ، يعني التحليل والتخطيط ، وإن مفهوم المنهاج كنظام ؛ هو نفسه مفهوم تنظيم المنهاج . ومن وجهة " وولت بارون " فإن لأسلوب النظم ست خطوات وهي :
ü تصوّر المنهاج كنظام .
ü حدد الأنظمة الفرعية فيها .
ü حدد الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها .
ü اقترح الإجراءات البديلة .
ü اختر البديل الأفضل في ضوء القيم والأوزان المختلفة .
ü نفّذ النظام مع مراعاة التغذية الراجعة في أثناء التنفيذ .
والآن سوف أتحدث عن مفهوم المنهاج بوصفه نظاماً ، وهذا يتطلب التعرّف على عناصر النظام وهي : الأهداف التربوية ، ومحتوى المعرفة أو أشكال المعرفة المنهجية ومفاهيمها وطرق التفكير بها ، وتنظيم المعرفة وتطبيقها في صورة أنشطة وخبرات تعليمية تعلمية .
وهذا يعني ؛ صياغة الأهداف التربوية عن طريق التعرّف على محتوى المعرفة وكيفية تنظيم هذه المعرفة حتى يتم تطبيق كل ذلك في صورة أنشطة لاكتساب الخبرات التعليمية والتعلمية . وعلى هذا فإن نظام المنهاج ليس معزولاً ، بل هو متشابك بعلاقات تبادلية مع أنظمة أخرى ( المدرسة ، والموقف التعليمي ، ونظام التواصل اللفظي ، ونظام الأسئلة ، ونظام التعليم ) .
وحدود المنهاج هي ( المدرسة ، والبيت ، وكل ما يحيط بهما ويؤثر في سلوك المتعلمين ) . فنظام المنهاج متحرك ومستمر ، ويحتوي على العنصر الإنساني ، حيث أن سلوك الإنسان يوجّه ليصبح فيه معاوناً ومساعداً للنظام في تحقيق أهدافه ، وليس مغايراً له أو نقيضاً له . إذن فالمنهاج التربوي كنظام يركّز على ضرورة النظرة الكلية المتكاملة إلى عناصره المختلفة ، واعتبار العلاقة بين عناصره علاقة عضوية متبادلة ، يتأثر كل منها بالآخر ، وهذا التأثير يكون سلباً أو إيجاباً .

ثالثاً : المنهاج الخفي :
إن الجميع عندما يتحدث عن المنهاج ، فيقصد بذلك المنهاج المعلن ، الذي يتم الإعداد له من قِبل الجهات المختصة . إذن فما هو المنهاج الخفي ؟ حسب التصور الذي وضعه "جاكسون" حول المنهاج الخفي يتبين بأنه مجموعة القيم والتقاليد والعادات والقوانين الموجودة داخل المدرسة ... أي أن كل ما يحدث خارج الغرفة الصفية من تجمعات اجتماعية للأطفال وما يحدث داخل الغرفة الصفية من تقويم للأطفال أو التفاوت في القوة بين المعلم والطالب ؛ كل ذلك يندرج تحت مسمى " المنهاج الخفي " .
فالمنهاج الخفي يدعمه ويسنده كل التطلعات الثقافية والاجتماعية للمدرسة ، وهذا له الأثر والدور الكبير في تكوين الطلاب . وبما أن المدرسة هي الداعم الحقيقي لهذا المنهاج ، إذن؛ يجب أن يكون للمدرسة قيم واتجاهات يمكن تطبيقها من خلال نظم وقوانين وأعراف ، حتى يتحقق للطلاب ما يسمى بـ التعلم المصاحب ، ونقصد بذلك التعلّم الذي لم تخطط له المدرسة مسبقاً . وهذا ينقلنا إلى حسنات هذا المنهاج ، والتي يمكن تلخيصها في الآتي :
أ‌- يعمل على تسهيل عمل الجهاز الإداري .
ب‌- الإبقاء على سلطة المدرسة وهيبتها ، وكذلك المعلمين .
ت‌- يعمل على إرساء النظام .
ث‌- ينمّي ويعمم المنافسة بين الطلاب .
ج‌- يعمل على تنمية المواقف والقيم السليمة ، التي ينادي بها المجتمع .
وبعد ذكر حسنات هذا المنهاج ، فلا بد من التعرض لسلبياته وهي :
أ‌- عدم استطاعة الطلاب من الطبقة الدنيا للتأقلم مع ما يحدث .
ب‌- عدم تشجيع الطلاب من الطبقة الدنيا على التعاون .
ت‌- عدم الأخذ بمتطلبات الطبقة الدنيا من الطلاب .
وأخيراً ، يجب العمل على تحقيق التوأمة بين أهداف المدرسة "مؤسسة اجتماعية" وبين أهداف المعلمين الذين يوجهون خبرات التعلّم وأهداف الطلاب أنفسهم ، حتى يتم خلق تكامل بين المنهاج المعلن والمنهاج الخفي .

رابعاً : موقف المنهاج التربوي من :
أ ـ المادة الدراسية :
إن موقف المنهاج التقليدي ينصب على إتقان المادة الدراسية ، وعدم الاهتمام بما يستفيده المعلم والطالب من هذه المادة . وكذلك موضوعات المادة الدراسية مفككة وغير مترابطة . لأن الهدف هو النجاح فقط ، وأن المادة الدراسية لا تمت بصلة لحياة الطالب .
إن هذا الموقف لا يختلف كثيراً عن موقف المنهاج الحديث الذي يركز على المادة الدراسية ، واكتساب وحفظ المعارف والموضوعات ، ونقل محتوى المقررات الدراسية إلى عقل المتعلم وحشوه من أجل النجاح فقط ، وليس الاستفادة منها في الحياة اليومية .

ب ـ المعلم :
إن موقف المنهاج القديم من المعلم ، هو حصْر دوره في نقل المعلومات وتوصيلها إلى ذهن الطالب عن طريق القسر والإرهاب وليس عن طريق الإقناع ، مما خلق جو عدائي بين الطالب والمعلم . وكذلك فإن عمل المعلم انحصر في عمل الملخصات والمذكرات للطلبة، والعمل على تغطية المادة المقررة من أجل نجاح الطالب .. مما يجعل المعلم يصدر حكمه على الطالب من خلال نتائج الطلبة ومدى حفظه لها .
أما موقف المنهاج الحديث من المعلم ، فهو مساعدة المعلم للطلبة وتوجيههم كي يتعلموا بأنفسهم ، وكذلك يعمل المعلم على مساعدة الطلبة للوصول إلى التعميمات بأنفسهم ، ومن أجل ذلك يستخدم عدة طرق تدريسية . وبذلك يكون المعلم قد عمل جاهداً على النمو الكامل للمتعلم ، واعتبار المادة الدراسية وسيلة وليست غاية في حد ذاتها ، وبهذا يحكم المعلم على الطالب من خلال مدى إنجاز أو تحقيق أهداف المنهاج وليس من خلال التحصيل فقط .

ج ـ المتعلم :
إن موقف المنهاج القديم من المتعلم (الطالب) هو : المساواة بين الطلاب في قدراتهم واستعداداتهم ، وعدم الاهتمام بميول الطلاب واهتماماتهم ، وعدم مراعاة الفروق الفردية ، وعدم إشراك المتعلم في عملية التعلم ، والاكتفاء فقط بالدور السلبي ، وعدم إتاحة المجال للطالب للتعلم الذاتي ، حيث أن عقل الطالب وعاء يعمل المعلم على تعبئته بالمعلومات .
أما المنهاج الحديث فيختلف موقفه من المتعلم عن المنهاج القديم ، حيث أنه يهتم بتوفير فرص المشاركة للطالب ، ويراعي الفروق الفردية بين الطلبة ، ويشركه في عمليتي التعلم والتقويم ، ويتيح له فرصة التعلم الذاتي ، وكذلك فالمنهاج الحديث ينطلق من حاجات المتعلم وقدراته ، واعتباره عقلاً وجسداً وروحاً ، يتعهده بالرعاية والتطوير ، وكذلك يهتم بدور المتعلم الإيجابي ويستخدم الأسلوب الاستقصائي من خلال البيئة المادية والاجتماعية للطالب ، ويعمل على النمو المتكامل للطالب .
إذن فالمنهاج الحديث يساعد الطلبة على المشاركة الفعالة في عملية التعلم ، كلٌّ حسب قدراته ، بشكل يساعدهم على النمو المتكامل ، باستخدام ما يناسب كلاً منهم من الطرائق والأساليب بما يناسب قدراتهم وحاجاتهم واهتماماتهم وميولهم .

د ـ الحياة المدرسية :
يعتبر المنهاج القديم وظيفة المدرسة القديمة هي نقل التراث الثقافي الثمين ، وإيصاله إلى عقول الطلاب ، وما على التلاميذ إلا الاستيعاب حتى يمكنهم اجتياز الامتحان .
وكذلك فإن المنهاج القديم يعمل على أن تسير الدروس على وتيرة واحدة ، وبالطريقة نفسها لجميع الطلبة . مما يؤدي إلى عدم وجود أي تفاعل بين الحياة المدرسية والحياة العامة .. فالحياة المدرسية في المنهاج التقليدي مملة للطالب وتخلو من النشاطات ذات المعنى بالنسبة له ، مما ينفر الطالب منها .
أما موقف المنهاج الحديث فيختلف تماماً عن موقف المنهاج القديم من الحياة المدرسية ، حيث أنه يجعل الطالب أن يستمتع بالحياة المدرسية من خلال ممارسته لألوان متنوعة من الأنشطة التي تلبي حاجاته ، وتساعده على النمو المتكامل وذلك للدور الفعّال الذي يلعبه ، وهذه الحياة المدرسية تتيح للطالب فرصاّ كثيرة مما يجعله يعتمد على نفسه . كما أنها تساعدهم على ممارسة الشورى والتعاون فيما بينهم . فالمنهاج الحديث زاخر بالحياة، وذلك لانطلاقه من حاجات المجتمع والمتعلم ، مما يخلق التوازن بينهم . وعليه فإن موقف المنهاج الحديث من الحياة المدرسية يكون بربط كل ما تخططه المدرسة من ألوان النشاط الذي يوفر للتلميذ فرص التفاعل والتعليم والنمو إلى أقصى ما تستطيعه قدراته ، وبما يلبي حاجاته كعضو فعّال في المجتمع .

هـ ـ البيئة الاجتماعية :
لقد ابتعد المنهاج القديم عن الحياة الاجتماعية ، سواء بالمادة الدراسية أو المتعلم أو المعلم ، ولم ينطلق هذا المنهاج من حاجات المجتمع .
أما المنهاج الحديث فلقد اعتبر الطالب عنصر فعّال في المجتمع ـ باعتبار المدرسة جزء من المجتمع تتفاعل مع ما يحدث فيه ـ ولا تختلف حياتها عن حياته ، فالمنهاج الحديث يقوم على أسس اجتماعية ونفسية ، فلا بد أن تنعكس فلسفة المجتمع إلى جانب نظمه الاقتصادية والسياسية على برامجه التعليمية .
والمنهاج الحديث حريص كل الحرص على النمو الشخصي للطلاب من جميع النواحي : العقلية والجسمية والنفسية والاجتماعية ، ويحافظ على مستوى الحد الأدنى من التعلم الاجتماعي والأخلاقي .

الـخـاتـمـة :
إن المنهاج بمفهومه الحديث يشمل جميع الخبرات التعليمية ،التي تنظمها المدرسة ويشرف عليها ويقوّمها المعلم ، ويمارسها الطالب المتعلم داخل المدرسة وخارجها . ويهدف إحداث تغيرات معينة في سلوك الطالب ، تحددها الأهداف التربوية العامة ، وهو بمثابة المخطط الهندسي للعملية التعليمية ، المصمم حول مبدأ منظم ومنسق مثل التعاون بين الجماعة ، وحل المشكلات بالأسلوب العلمي ..
من هنا فإن كل ذلك يقع على عاتق المعلم بالدرجة الأولى بوصفه منظماً للتعليم ومعززاً له ، فالمعلم هو الذي يصمم الخبرات المربية التي تساعد طلابه على بلوغ أهداف المنهاج التربوي .
المراجع :
1. فرنسيس عبد النور ، التربية والمناهج ، الفجالة ـ القاهرة : دار نهضة مصر للطبع والنشر ، 1977م .
2. اسحق الفرحان وزميله ، توفيق مرعي ، المنهاج التربوي بين الأصالة والمعاصرة ، الطبعة الأولى ، عمان : دار البشير للنشر والتوزيع ، 1984م .
3. توفيق مرعي وزميله ، محمد الحيلة ، طرائق التدريس العامة ، الطبعة الأولى ، عمان : دار المسيرة للنشر والتوزيع ، 2002م .
4. توفيق مرعي وزميله ، محمد الحيلة ، المناهج التربوية الحديثة ، الطبعة الرابعة ، عمان : دار المسيرة للنشر والتوزيع ، 2004م .

‏ليست هناك تعليقات: